أبو حامد الغزالي

93

محك النظر

الباري تعالى ليس بجسم لأن الباري ليس بمؤلف وكل جسم مؤلف فالباري ليس بجسم ، فها هنا ثلاثة معان الباري والمؤلف والجسم والمتكرر في المقدمتين هو المؤلف فهو العلّة وتراه خبرا في المقدمتين غير مبتدأ به بخلاف المسكر في النظم الأول ، إذ كان خبرا في إحداهما مبتدأ في الأخرى ووجه لزومه النتيجة يمكن تفهيمه مجملا ومفصلا ومحقّقا . أما المجمل فهو أن كل شيئين ثبت لأحدهما ما انتفى عن الآخر ولا يكون بينهما التقاء واتصال لا يجوز أن يخبر بأحدهما عن الآخر ، فالتأليف ثابت للجسم ومنفي عن الباري ، فلا يكون بين معنى الجسم والباري التقاء ، فلا يقال الباري جسم ولا يقال الجسم باري . وأما بالتحقيق والتفصيل فينبغي أن يرد إلى النظم الأول بعكس المقدمة النافية . ولنعدل إلى مثال آخر تصاونا عن ترديد لفظ الباري . فإن قول القائل إنه ليس بجسم كأنه سوء أدب كما أن قوله هو جسم كفر ، فإن من قال للملك أنه ليس بحجام ولا بحائك فقد أساء الأدب إذا وهم إمكان ما صرح بنفيه ، إذ لا يتعرض إلا لنفي ما له إمكان في المادة والجسمية أشد استحالة في ذاته تعالى عن قول الزائغين من الحياكة والحجامة في الملك ، فنقول مثلا الأجسام ليست أزلية ، إذ كل جسم مؤلّف ولا أزلي واحد مؤلف فيلزم منه لا جسم واحد أزلي ، إذ صار المؤلف ثابتا للجسم مسلوبا عن الأزلي ولا يبقى بين الأزلي والجسم ارتباط الخبر والمخبر . وتفصيله بأن تنعكس المقدمة النافية فإنها نافية عامة ، وقد قدّمنا أن النافية العامة تنعكس مثل نفسها فإذا صدق قولنا ولا أزلي واحد مؤلف صدق قولنا ولا مؤلف واحد أزلي وهو عكسه ، فنضيف إليه قولنا وكل جسم مؤلف فيعود إلى النظم الأول ، فيكون وجه دلالته ولزوم نتيجته ما سبق . وخاصية هذا النظم أنه لا ينتج إلا القضية النافية ، أما الإثبات فلا . وأما النظم الأول فهو أكمل لأنه ينتج القضايا الأربعة ، أعني المثبتة العامة والمثبتة الخاصة والنافية العامة والنافية الخاصة . ولم نفرد تفصيل هذه الآحاد استثقال التطويل فإن قلت فلم لا ينتج هذا النظم الإثبات فاعلم أن هذا لا ينتج إلا النفي ، ومن شرطه أن تختلف المقدمتان أيضا في النفي